ابن حمدون

96

التذكرة الحمدونية

بعضهم إلى بعض وقالوا : إنّ هذا الرجل لا يسلم على لسانه أحد ، فتعالوا حتى نسأله عما يحبّ فنفعله ، وعمّا يكره فنجتنبه . فأتوه فقالوا : يا أبا مليكة ، أنت اخترتنا على سائر العرب ، ووجب حقّك علينا ، فمرنا بما تحبّ أن نفعله ، ولما تكره أن نتناهى عنه ، فقال : لا تكثروا زيارتي فتملَّوني ، ولا تقطعوها فتوحشوني ، ولا تجعلوا فناء بيتي مجلسا لكم ، ولا تسمعوا بناتي غناء شبيبتكم ، فإنّ الغناء رقية الزّنا . قال : فأقام عندهم ، وجمع كلّ رجل منهم ولده وقال : على أمكم الطلاق لئن تغنّى أحد منكم والحطيئة بين أظهرنا لأضربنّه ضربة بسيفي ؛ فلم يزل مقيما فيما يرضى حتى انجلت السنة ، وارتحل وهو يقول : [ من الكامل ] جاورت آل مقلَّد فحمدتهم إذ ليس كلّ أخي جوار يحمد أزمان من يرد الصنيعة يصطنع فينا ومن يرد الزهادة يزهد « 272 » - ومن مليح ما جاء في الشكر ومخرجه مخرج الديانة أنّ عديّ بن أرطأة لما احتفر نهر عدي بالبصرة كتب إلى عمر بن عبد العزيز : إني احتفرت لأهل البصرة نهرا أعذب به مشربهم ، وجادت عليه أموالهم ، فلم أر لهم في ذلك شكرا ، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقته عليه ، فكتب إليه عمر : إني لا أحسب أهل البصرة عند حفرك لهم هذا النهر خلوا من رجل قال الحمد للَّه ، وقد رضي اللَّه سبحانه وتعالى بها شكرا من جنّته فارض بها شكرا من نهرك . « 273 » - أدخل على الفضل بن سهل ملك التبت وهو أسير ، فقال : أما ترى اللَّه عزّ وجلّ قد أمكن منك بغير عهد ولا عقد ؟ فما شكرك إن صفحت عنك ، ووهبت لك نفسك ؟ فقال : أجعل النفس التي أبقيتها بذلة متى أردتها ، فقال

--> « 272 » ربيع الأبرار 4 : 328 ( وبين النصين بعض اختلاف ) . « 273 » البصائر 7 : 193 ( رقم : 607 ) .